الشيخ داود الأنطاكي

115

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

ثم شرع في المراتب القريبة التحويل والانقلاب التي تليها الكواكب المتقاربة في الدورة وهي ثلاثة : أحدها : ما أشار إليه بقوله فخلقنا العلقة مضغة ، أي : حولنا الدم جسماً صلباً قابلًا للتفصيل والتخطيط والتصوير والحفظ . وجعل مرتبة المضغة في الوسط وقبلها ثلاث حالات وبعدها كذلك ؛ لأنها الواسطة بين الرطوبة السيّالة والجسم الحافظ للصور . وقابلها بالشمس ؛ لأنها بين العلوي والسفلي كذلك . وجعل التي قبلها علوية ؛ لأن الطول الانساني فيها لا حركة له ولا اختيار ، فكأنه هو المتولي اصالة ، وإن كان في الحالات كلها كذلك . لكن هو اظهر . فانظر إلى دقائق مطاوي هذا الكتاب ! وتحويل العلقة إلى المضغة يقع في دون الأسبوع وكذلك ما بعدها . وثانيها : مرتبة العظام المشار إليها بقوله فخلقنا المضغة عظاماً أي : صلَّبنا تلك الأجسام بالحرارة الإلهية حتى اشتدت وقبلت التوثيق والربط والاحكام والضبط . وهذه مرتبة الزهرة وفيها تتخلق الأعضاء المنوية المشاكلة للعظام أيضاً ، ويتحول دم الحيض غاذياً كما هو شأن الزهرة في أحوال النساء . وثالثها « 1 » : قوله فكسونا العظام لحماً ، أي : حال تحويل الدم غاذياً للعظام لا يكون عنه إلّا اللحم والشحم وكل ما يزيد وينقص ، وهذا شأن عطارد تارة يتقدم وتارة يتأخر ويعتدل ، وكذا اللحم في البدن . وهذه المرتبة هي التي يكون فيها الانسان كالنبات ثم يطول الأمر حتى يشتد ثم يتم انساناً يفيض الحياة والحركة بنفخ الروح ؛ فلذلك قال مُعلّماً للتعجب والتنزيه عند مشاهدة دقيق هذه الصناعة ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين وهذا هو الطور السابع الواقع في حيز القمر . وفي هذه الآية دقائق :

--> ( 1 ) الإضافة منا . )